المقريزي
170
المقفى الكبير
إلى أن ولّاه الملك الناصر محمد بن قلاوون قضاء القضاة بحلب في سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، بعد موت زين الدين عبد اللّه بن محمد بن عبد القادر الأنصاريّ . وكتب بتقليده من مصر ، وحمل إلى الأمير تنكز نائب الشام . فاستدعاه وأخبره بولايته قضاء حلب ، فامتنع من ذلك امتناعا كبيرا . فغضب منه تنكز ، وعزله من وظائفه كلّها ، ورسم عليه حتّى يقدم جواب السلطان ، وكتب بخبره . فاتّفق قدوم البريد من حلب بموت ابن عبد القادر ، فتعجّب تنكز من ذلك ، وبعث إلى ابن الزملكانيّ وأحضره وطيّب خاطره حتى قبل الولاية فصار إلى حلب . ثمّ استدعاه السلطان من حلب ليولّيه قضاء دمشق . فوصل إلى بلبيس قبل دخوله القاهرة ، فتوفّي بها ليلة الأربعاء سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة . فحمل ميتا ودفن بالقرافة يوم الخميس قريبا من قبر الإمام الشافعيّ . ومن شعره [ البسيط ] : أهواك يا ربّة الأستار أهواك * وإن تباعد عن مغناي مغناك وأعمل العيس ، والأشواق تحملني * عسى يشاهد معناك معنّاك تهوى بها البيد لا تخشى الضلال وقد * هدت ببرق الثنايا الغرّ مضناك « 1 » تشوقها نسمات الصبح سارية * تسوقها نحو رؤياك بريّاك 5 يا ربّة الحرم العالي الأمين لمن * وافاه ، من أين هذا الأمن لولاك ؟ قد أكثر الناس في سلع وكاظمة * والأبرقين ، وليس القصد إلّاك يا ربّة الحسن ذات الخال ما نظرت * عين المحبّين أبهى من محيّاك إن شبّهوا الخال بالمسك الذكيّ فه * ذا الخال من دونه المحكيّ والحاكي [ 142 أ ] أفدي بأسود قلبي نور أسوده * من لي بتقبيله من بعد يمناك ! 10 إنّي قصدتك لا ألوي على نشب * ترمي النوى بي سراعا نحو مرماك وقد حططت رحالي في حماك عسى * تحطّ أثقال أوزاري بلقياك كما حططت بباب المصطفى أملي * وقلت للنفس : بالمأمول بشراك ! وقال [ الطويل ] : سواكم بقلبي لا يحلّ ولا يحلو * كما أنّه من حبّكم قطّ لا يخلو حللتم عرى صبري وحلّلتم دمي * وحرّمتم وصلي فلذّ لي القتل وأوعدتم هجرا فأودعتم الحشا * لهيبا على ما كان من حبّكم قبل وألبستم جسمي الضنى وسلبتم * رقادي ، وأسبلتم دموعا لها سبل 5 أحبّه قلبي ليس قبلي متيّم * كمثلي ، ولا في العالمين لكم مثل فلا تحسبوا أنّي مللت هواكم * ولا أنّني يوما أميل ولا أسلو [ وقال الطويل ] : « 2 » وإنّي وإن أعرضت عنكم وصدّني * زمان رماني منه في أعظم الخطب لأنتم إلى عينيّ أشهى من الكرى * وفي مهجتي أحلى من البارد العذب
--> ( 1 ) في المخطوط : هوت ببرق الثنايا من ثناياك ، والتصويب من الوافي . ( 2 ) زيادة منّا لأنّ الرويّ تغيّر .